محمد بن جعفر الكتاني

189

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وقد ترجمه صاحب " السلسل العذب " ؛ فقال : « ومن أهل الطبقة الأولى : الكثير الخوف والخشوع ، الواصل السجود والركوع ، القوام بالليل وقد لاذت الحواس بالهجوع ، الصابر في ذات اللّه على ما يقاسي ، الشيخ الفقيه الخطيب : أبو الحجاج يوسف بن عمر الأنفاسي ؛ من جلة الفقهاء العاملين ، وأكابر الفضلاء من أهل الدين ، صام حتى نحل جسمه ورق جلده ، وقام حتى تورمت قدماه . وله عراقة في الفقه والصلاح ؛ فهو فقيه ابن فقيه ، وصالح ابن صالح » . ه . ومن كلامه : « أفضل العبادات : المراقبة وحفظ الحدود » . وكان يقول : « ما أتعب العاصي ؛ يطيع هواه وشيطانه ونفسه ، وهم يكلفونه فوق طاقته . والطائع : لا يطيع إلا اللّه ، ولا يكلفه إلا ما يستطيع ! » . « وكان - رحمة اللّه تعالى عليه - مهتما بمصالح المسلمين . حدثني غير واحد ممن يعرف سيره وأخلاقه أنه : كان إذا جن الليل ؛ يخرج من داره التي يسكنها - وهي : المحبسة على الأيمة بالجامع الأعظم بفاس - فينظف الجامع ، وينظر في مصالحها ، ويباشر ذلك بنفسه قربة للّه عزّ وجل » . « ومن بركاته : ما استفاض عنه أنه : ورد عليه ليلة من الليالي جماعة من الأضياف ، وكان [ 154 ] قد صنع لفطره قدر ما يقتاته إنسان من الكسكسو ، فلما حضر بين يديه ؛ وضع يده على أعلاه ، وذكر اسم اللّه ، وقدمه إليهم . فأكلوا منه بأجمعهم حتى تملوا ، وفضل له من بقيتهم قدر كفايته . ولم يفارقه خوف اللّه عزّ وجل والخشية منه » . ه . وهو - رضي اللّه عنه - من تلاميذ الشيخ سيدي عبد الرحمن بن عفان الجزولي . قال الشيخ زروق : « وكانت شهرتهما بالصلاح كشهرتهما بالعلم . بل أكثر ! » . ه . وهو - أيضا - صاحب " شرح الرسالة " المشهور ، قيده عنه الطلبة ، وهو من أحسن التقاييد عليها وأفيدها . وكان - رحمه اللّه - يؤم بجامع القرويين ، ويخطب به أيضا . قدمه لذلك : أبو عنان ؛ بعد وفاة الشيخ أبي محمد عبد اللّه بن محمد الجنياري سنة خمسين وسبعمائة ، بعد الاستخارة في ذلك ، والنظر الأصلح للمسلمين ، وقبل التقديم - بعد أن أبدى لنفسه أعذارا - لم يسمح له أبو عنان فيها ؛ للمصلحة التي غلبت على أعذاره ، وفرح الناس بتقديمه له ، وشكروه على الاعتناء بالأمور الدينية ، وبعث له في أول خطبة خطبها كسوة سنية تشتمل على برنس وبدر كلاهما أبيضان من صوف ، وإحرام للتردية ، ومنديل للتعميم ، ودراعتين من ثوب الرصان ، وقبطية شواشية العمل ؛ قال الرسول الذي حملها له : « إن قيمتها أزيد من مائة دينار من الذهب » . ولما وصلته ؛ خجل من ذلك ، وقال : « هذه الكسوة لا تصلح لمثلي ، وفيما علي من اللباس كفاية » . ففهم منه الرسول طلب المعافاة في